محمد بن جرير الطبري

40

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن : " بسم الله الرحمن الرحيم " إنما معناه : أقرأ مبتدئا بتسمية الله ، أو أبتدئ قراءتي بتسمية الله فجعل الاسم مكان التسمية ، كما جعل الكلام مكان التكليم ، والعطاء مكان الإِعطاء . وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك ، روي الخبر عن عبد الله بن عباس . حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : يا محمد ، قل أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال : قل بسم الله الرحمن الرحيم . قال ابن عباس : " بسم الله " ، يقول له جبريل : يا محمد اقرأ بذكر الله ربك ، وقم واقعد بذكر الله وهذا التأويل من ابن عباس ينبئ عن صحة ما قلنا من أنه يراد بقول القائل مفتتحا قراءته : " بسم الله الرحمن الرحيم " : أقرأ بتسمية الله وذكره ، وأفتتح القراءة بتسمية الله ، بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلى وفساد قول من زعم أن معنى ذلك من قائله : بالله الرحمن الرحيم في كل شيء ، مع أن العباد إنما أمروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورهم بتسمية الله لا بالخبر عن عظمته وصفاته ، كالذي أمروا به من التسمية على الذبائح والصيد ، وعند المطعم والمشرب ، وسائر أفعالهم ، وكذلك الذي أمروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل الله وصدور رسائلهم وكتبهم . ولا خلاف بين الجميع من علماء الأَمة ، أن قائلا لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأَنعام : " بالله " ، ولم يقل " بسم الله " ، أنه مخالف بتركه قيل " بسم الله " ما سن له عند التذكية من القول . وقد علم بذلك أنه لم يرد بقوله " بسم الله " ، " بالله " كما قال الزاعم أن اسم الله في قول الله : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، هو الله ؛ لأَن ذلك لو كان كما زعم ، لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبيحته " بالله " قائلا ما سن له من القول على الذبيحة . وفي إجماع الجميع على أن قائل ذلك تارك ماسن له من القول على ذبيحته ، إذ لم يقل " بسم الله " ، دليل واضح على فساد ما ادعى من التأويل في قول القائل " بسم الله " وأنه مراد به بالله ، وأن اسم الله هو الله . وليس هذا الموضع من مواضع الإِكثار في الإِبانة عن الاسم ، أهو المسمى أم غيره أم هو صفة له ؟ بسم الله " فنطيل الكتاب به ، وإنما هو موضع من مواضع الإِبانة عن الاسم المضاف إلى الله ، أهو اسم أم مصدر بمعنى التسمية ؟ فإن قال قائل : فما أنت قائل في بيت لبيد بن ربيعة : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر فقد تأوله مقدم في العلم بلغة العرب ، أنه معني به : ثم السلام عليكما ، وأن اسم السلام هو السلام . قيل له : لو جاز ذلك وصح تأويله فيه على ما تأول ، لجاز أن يقال : رأيت اسم زيد ، وأكلت اسم الطعام ، وشربت اسم الشراب . وفي إجماع جميع العرب على إحالة ذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول لبيد : " ثم اسم السلام عليكما " ، أنه أراد : ثم السلام عليكما ، وادعائه أن إدخال الاسم في ذلك وإضافته إلى السلام إنما جاز ، إذ كان اسم المسمى هو المسمى بعينه . ويسأل القائلون قول من حكينا قوله هذا ، فيقال لهم : أتستجيزون في العربية أن يقال أكلت اسم العسل ، يعني بذلك أكلت العسل ، كما جاز عندكم اسم السلام عليك ، وأنتم تريدون السلام عليك ؟ فإن قالوا : نعم خرجوا من لسان العرب ، وأجازوا في لغتها ما تخطئه جميع العرب في لغتها . وإن قالوا : لا سئلوا الفرق بينهما ، فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله . فإن قال لنا قائل : فما معنى قول لبيد هذا عندك ؟ قيل له : يحتمل ذلك وجهين ، كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله . أحدهما : أن " السلام " اسم من أسماء الله ؛ فجائز أن يكون لبيد عنى بقوله : " ثم اسم السلام عليكما " : ثم الزما اسم الله وذكره بعد ذلك ، ودعا ذكري والبكاء على ؛ على وجه الإِغراء .